مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
33
موسوعه أصول الفقه المقارن
أولًا : التدوين الشامل بكمية كبيرة لجلّ بحوث أصول الفقه من قبل علماء أهل السنّة وطرح القضايا البدائية من قبلهم . ومن الطبيعي في هذا الحال أن يأخذ منهم من تأخّر بعض الشيء عنهم مثل الشيعة ، ولذلك نرى مثل الشيخ الطوسي يذكر في بحوثه الأصولية الكثير من أقوال أهل السنّة . ثانياً : تطوير الأفكار الأصولية والقواعد ذات الصلة من قبل أصوليي الشيعة وبخاصة في القرنين الأخيرين . ثالثاً : تبادل أدوار التدوين والتصنيف لهذا العلم ؛ وذلك بسبب انسداد باب الاجتهاد والركود الفقهي ، وهي مرحلة تأريخية مرَّ بها فقه وأصول كلٍّ من الطائفتين ، مع اختلاف في الشدة والضعف والنوعية بالطبع ، ففي العصور التي ضعف فيها التدوين لدى طائفة قوي غالباً التدوين لدى طائفة أخرى ، ممّا يعني تطوّره في بعض العصور لدى طائفة وعدم تطوّره لدى طائفة أخرى . لقد مرَّ أصول الشيعة بهذه المرحلة بعد عهد الشيخ الطوسي في القرن الخامس ، وتوقّف التدوين بعده مدّة قرن ، ولم نأثر في هذا العهد تأليفاً مهماً في الأصول إلى عهد سديد الدين الحمصي في أواخر القرن السادس ، حيث دوَّن في هذا المجال كتاباً أسماه ( المصادر ) وهو مفقود حالياً ، لكن ينقل عنه الشيعة « 1 » والسنّة « 2 » . كما حصل ركود في هذا المجال عهد سيطرة الحركة الأخبارية على الحوزة العلمية الشيعية في القرن الحادي عشر والثاني عشر . كما مرَّ أهل السنّة بهذه المرحلة لفترة طويلة ، أهمّها كانت في القرون الأخيرة ، وفي هذه المراحل وإن لم ينقطع التأليف لديهم بالكامل ، إلَّا أنَّا لم نأثر من المدوّنات ما يحمل أفكاراً جديدة ، بل هي تلخيص لما دوِّن من قبل . وقد تجدَّدت عملية التدوين في هذا العلم في العقود الأخيرة ، وأثرنا عن علماء الجامعات الدينية في العالم الإسلامي العديد من المدوَّنات الأصولية ، وبرغم أنّها لم تتضمّن أفكاراً جديدة تذكر غير ما كان يحملها الأولون إلّاأ نَّها تحظى بخاصية التبسيط والأسلوب العصري السلس إلى حدٍّ كبير . ( انسداد باب الاجتهاد ) رابعاً : الظروف السياسية ومراكز الدعم المادي والمعنوي . إنَّ الظروف السياسية التي مرَّ بها علماء الإسلام أثّرت إيجاباً وسلباً أحياناً على عملية التدوين في هذا العلم . فمن المسلّم أنَّ مواقفهم تجاه الحكومات ومراكز القوّة إذا كانت إيجابية نالوا شيئاً من الدعم المادي أو المعنوي منها ، وإذا كانت سلبية سلبوا إمكانية ممارسة الأعمال الطبيعية التي يمارسها أيّ عالم دين . في أكثر البرهات الزمانية كان الشيعة وعلماؤهم يعيشون حالة المواجهة مع مراكز القوى والسلطة في الدول الإسلامية ، ويتعرّضون في كثير من الأحيان لمضايقات في مختلف المجالات ، ومن الطبيعي أن يؤثّر ذلك على نتاجاتهم العلمية ، بينما الكثير من علماء أهل السنّة ممّن ورثنا عنهم نتاجات علمية ضخمة لم يكونوا يعيشون هكذا حالة ، ممّا أتاحت لهم الفرصة لممارسة وظائفهم العلمية ، التي يُعدُّ التدوين للعلوم الدينية من أهمّها . ولذلك نجد الكم الهائل للكتب الأصولية لدى أهل السنة
--> ( 1 ) . انظر : السرائر 3 : 290 . ( 2 ) . نقل عنه الزركشي في البحر المحيط 2 : 381 .